عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

115

الارشاد و التطريز

حاجة تعسّرت عليّ ، ورأيت إنسانا بين يديه ، والشيخ مقبل عليه يكلّمه ، ولم أدر بأيّ شيء يكلّمه ، فسلّمت على الشيخ ، ومشيت خلفه ، وعرضت عليه شيئا ، فاستحسنه - أعني جوابا أجبت به - ثم ودّعته ، وإذا قائل يقول لي : الظاهر أنّ اللّه يريد بك خيرا ، ولكنّك تحتاج إلى صبر ، إذ الصبر من شأن الأجواد ، وأبشر بكذا وكذا ، يبشّرني بقضاء تلك الحاجة ، ثم انتبهت ، وسررت بما رأيت ، وخطر لي أن أبشّر ذلك الإنسان الذي رأيت الشيخ يكلّمه بإقبال الشيخ عليه ، فإذا به قد جاءني بقضاء تلك الحاجة التي طلبتها ، ففهمت أنّ الشيخ ما كان يكلّمه إلّا من أجلي ، نفع اللّه به ، وجزاه عنّا أفضل الجزاء . * وكان رضي اللّه عنه صاحب همّة عالية ، وصورة حسنة حالية ، ولحية مليحة طويلة ، وهيبة في القلوب ، ومنزلة جليلة ، وكان لا يكاد يضحك ، فلمّا كان بعض الأيام خرج مع جنازة بعض الصالحين ، فضحك حين تلقين المدفون ، فسأله بعض أصحابه عن ضحكه ، فزجره عن سؤاله ، فلمّا كان بعد ذلك قال : ما ضحكت إلا لأنّه لما جلس الملقّن على القبر يلقّن ، سمعت صاحب القبر يقول : ألا تعجبون من ميت يلقّن حيّا ؟ ! * وقال بعضهم : الصّوفيّ لا يموت . * ورأيت شيخ شيخنا السيد الجليل جامع الخصال الحميدة ، ذا السّيرة السنية السديدة ، أبا الخطاب عمر بن علي الصفّار بعد موته في النوم رضي اللّه عنه ، فقلت له : يا سيدي ، أنت ما متّ ؟ قال : عجب أن يقال إنّي متّ ، ثم مسح على صدري ، ودعا لي فقال : أصلحك اللّه صلاحا لا فساد له . * وكذلك رأيت الشيخ الإمام محيي الدّين النواوي رضي اللّه عنه ، وعليه هيبة عظيمة تزلزل الجبال كأنّما القيامة قد قامت ، وهو يذكر اللّه ويمجّده ، ويعظّم وعده ووعيده ، ثم دعا لي فقال : ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة . فاللّه تعالى يستجيب منهما ذلك بجاههما عليه . * وقد قيل : النّاس موتى إلّا العالمين ، والعالمون نائمون إلّا العاملين ، والعاملون مغرورون إلّا الخائفين ، والخائفون هالكون إلا المخلصين ، والمخلصون على خطر . * وقال ذو النّون المصري : ثلاث من علامات الإخلاص : استواء المدح والذمّ من العامة ، ونسيان رؤية الأعمال ، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة .